كيف تحمين خصوصيتك العاطفية من تطفل الآخرين؟

كيف تحمين خصوصيتك العاطفية من تطفل الآخرين؟

يحتاج كل منا إلى حدود شخصية خاصة به، غير مرئية، لكن لا يمكن للآخرين عبورها دون إذن منا. لكن للأسف لا يمكننا حمل لافتة كتب عليها "ممنوع الاقتراب"! لذلك علينا أن نخوض هذا التحدي ونضع حدودنا الشخصية ونعرف كيف نوقف الآخرين عندها حتى نحافظ على صحتنا النفسية والعاطفية.

وهناك العديد من الجوانب التي قد ترغبين في أن تضعيها ضمن تلك الحدود، مثل حياتك الحميمية، ومشاعرك الخاصة، وحتى علاقتك مع دينك. وهي أمور قد لا ترغبين في مناقشتها مع الآخرين، ولا تريدين لأحد أن يبادر بالتدخل فيها.



هذه الحدود تتيح لنا تحسين علاقتنا مع أنفسنا وتقديرنا لها. فهي تعزز قدرتك على الاهتمام بنفسك دون أنانية، وعلى تلبية احتياجاتك دون قلق من تطفل الآخرين. وهذه الحدود مرنة على وجه العموم، إذ يجب مراجعتها كل فترة، فما قد ناسبك قبل عامين مثلاً قد لا يناسبك اليوم.

كذلك من المهم أن نتمادى في وضع الحدود لتشمل كل شيء، في هذه الحالة سنتحول إلى الانعزال والتقوقع، وستتدهور علاقتنا بالآخرين، وهذه مشكلة لا ترغبين بحدوثها. وفي الوقت نفسه من المهم أن لا تكون مائعة جداً، فتصير بلا معنى لأنها تلغي شخصيتك وتسمح بتحويلك إلى مادة للآخرين.

ولأن لكل منا طاقة عاطفية معينة، فإن وضع هذه الحدود يساعدنا على استثمار طاقتنا العاطفية بشكل صحيح، فتوجه نحو الأشخاص الذين لهم قيمة ودور في حياتنا، بدلاً من أن توزع هنا وهناك. وبالتالي فيه تعزز من قوة الروابط مع من نحب.

وأيضاً، يتيح لنا وضع هذه الحدود أن نكون أكثر إنسانية. لأننا سنتمكن عندها من إظهار ضعفنا أمام من نثق بهم ويثقون بنا، بدلا من المكابرة أمام الجميع مع كل ما تستنزفه المكابرة من قوانا النفسية والعاطفية. مع ضرورة الحذر من أن يتحول إظهار الضعف الإنساني والإيجابي، إلى نوع من الابتذال إذا تجاوز الحد المعقول.

وضع مثل هذه الحدود ليس عملية صعبة، لكن هناك بعض الطرق الملائمة التي تتيح لك حماية خصوصيتك دون أن تضطري لمواجهات حادة مع الآخرين. مع العلم أن كلمة "حدود" هنا لا علاقة لها بالانعزال، بل فقط بالتنظيم الذي تحتاجه جميع أنواع العلاقات بين البشر.

وفي العادة تتشكل حدود الأشخاص بناء على ثقافتهم المجتمعية، وتقاليد المنطقة التي يعيشون فيها، وخبراتهم الخاصة، وطاقاتهم الفردية. لكن عقلك قادر على التعامل مع هذه الأساسيات، ومن ثم توظيفها وتعديلها بما يلائم احتياجاتك الفعلية. ولفعل ذلك عليك أن تعرفي بعض الحقائق البسيطة.


موضوع قد يهمك: ماسك العناية بالوجه على طريقة موناكو


- لديك الحق في أن تقومي برفض شخص، أو دعوة، أو أمر ما، دون أن تشعري بالذنب لأن شخصاً آخر يريدك أن تفعلي ذلك.
- لديك الحق بالحصول على معاملة محترمة من الآخرين، سواء كان رؤساء أو مرؤوسين، أقارب أو غرباء.
- لديك الحق بأن تحققي احتياجاتك المختلفة دون أن تفرطي بها لصالح تلبية احتياجات الآخرين.
- لديك الحق في الإعلان عن أخطائك وعثراتك، وتقبلها، والتصالح معها.
- لديك الحق في أن تكوني كما أنت، لا كما يريدك الآخرون أن تكوني.

عندما تعرفين هذه الحقوق البسيطة، وتدمجينها في حياتك، فستجدين أن وضع حدودك الخاصة بات أسهل، وفي الوقت نفسه يعزز علاقتك مع من يستحق اهتمامك. لكنك ما زلت بحاجة لبعض الأمور.

ثقي بأحاسيسك
عندما تشعرين أن شخصاً ما ينتهك حدودك، فتشي عن مؤشرات الضيق في جسمك، مثل ارتفاع معدل ضربات القلب، ضيق الصدر، انزعاج في المعدة أو الحنجرة، أو شد قبضة يدك دون قصد. فإن كنت تشعرين بها فلا تخذلي أحاسيسك.

حددي قيمك
في كل أوجه الحياة هناك سلم للقيم يتربع على رأسه الأكثر أهمية. وهذا ما عليك فعله أيضاً مع قيمك بأن تسجليها على سلم من 10 نقاط مثلاً، ثم تأخذ وقتك لتقرري أيها الأكثر أهمية، فتبقي على نقطتين أو ثلاثة هم ما يجب أن تحافظي عليه بقوة.
يمكنك أن تتأكدي من أهمية هذه القيم بالنسبة لك بطريقة تشبه تقييم الأحاسيس، فعندما تشعرين بالانزعاج الفعلي للمساس بقيمة ما، تكون مهمة لك.


موضوع قد يهمك: هل يساعدك التأمل على تعزيز صحتك الجسدية والعقلية؟


تحملي مسؤوليتك
حين يحاول أحد أن ينتهك حدودك، فالمسؤولية هي مسؤوليتك، وبالتالي عليك أن تتصرفي تجاه هذا الإنتهاك، سواء بالتعبير مباشرة عن رفضك، لكن دون قسوة أو عدائية. إذ يمكنك أن تكوني حازمة ولبقة في الوقت نفسه، باستخدام لغة حازمة وواضحة وغير قابلة للتفاوض، وتخلو من اللوم والتهديد للآخر.
فعندما تقولين: أشعر أنك انتهتك خصوصيتي حين تحدثت عن هذا الامر دون إذني، رغم أنني أحترم خصوصيتك، فهذه عبارة حازمة وواضحة ومهذبة. أما حين تقولين: لا تتحدث في هذ الأمر فهو يخصني، فإنت حازمة ولكنك قاسية وعدائية.

تعلمي قول "لا"
الكثيرون منا يتجنبون قول "لا" معتقدين أنها غير مهذبة. الواقع أن هناك جملة كاملة متكاملة في هذين الحرفين، وهي ضرورية في العديد من الحالات حيث لاتحل أي عبارة أخرى محلها. وطبعاً يجب أن يكون استخدمها مقنناً ومقيداً بالأمور الأكثر أهمية عندك، لكن لا تترددي في استخدامها عند الحاجة الفعلية، ودون أن تشعري بأنك ملزمة بتقديم تفسير أو شرح لرفضك، سواء رفضت طلب رقم هاتفك الشخصي، أو دعوة إلى الرقص، أو الحلول محل زميل في مناوبته.

أبعدي خصوصياتك
في هذا السياق، تقع عليك بعض الواجبات بأن لا تهملي الأشياء التي تقع ضمن مساحتك الخاصة، فتتركيها أمام الآخرين. فمثلاً: لا ينفع أن تتركي مذكراتك في أي مكان ثم تطالبي الآخرين بعدم قراءتها. بل عليك وضعها في درج مقفول. الأمر نفسه فيما يتعلق بالعديد من الأشياء التي تعتبريها ضمن مساحتك الخاصة.
فمثلاً: يمكنك إغلاق هاتفك في وقت راحتك، بدلاً من تركه يرن. ويمكنك أن تعلمي الآخرين أنك في إجازة ولا ترغبين بالتواصل بأمور العمل خلالها، كما عليك أن لا تتحدثي عن أمورك العاطفية أمام الآخرين إذا أردت أن لا يطرحوا عليك أسئلة محرجة.

استفسري قبل المبادرة
أحد أوجه إبراز حدودك الشخصية ودعوة الآخرين إلى الإلتزام بها، هو قيامك بالأمر نفسه مع الآخرين. لذلك عليك أن تسألي الشخص الآخر إن كان بإمكانك فتح موضوع ما معهن قبل أن باشري بالحديث فيه. فهكذا سيعرف أنك لن تقبلي فتح موضوع شبيه معك دون إذن. وفي الوقت نفسه، أرسلي إشاراتك الخاصة، فحين يقترب شخص متلهفاً نحوك، ولا تريدين عناقه، ابقي مكانك أو ارجعي خطوة صغيرة كافية لإشعاره أنك لا ترغبين بذلك دون أن تتسببي له بالإحراج.

وأخيرا: لا تترددي في طلب المساعدة
كما هو واضح، وضع حدود شخصية ودفع الآخرين إلى احترامها ليس أمراً مستحيلاً. مع ذلك لا يعيبك أن تشعري بأنك لست قادرة على فعل ذلك بمفردك. الكثيرون يشعرون بعدم القدرة هذه، خاصة إذا كانوا يعانون من بعض القلق و التوتر الناجم عن تجارب سابقة.
لذلك لا تترددي في طلب مساعدة اختصاصية في كيفية التصرف تجاه هذا الأمر أو ذاك. فالأخصائيون قادرون على تقديم إرشادات شخصية مفيدة جداً في هذا المجال.