كيف أثرت جائحة كوفيد-19 على الصحة النفسية للمراهقين

كيف أثرت جائحة كوفيد-19 على الصحة النفسية للمراهقين

ناقشت دراسات كثيرة أثر الاجراءات الاحترازية التي تتخذ للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد، كوفيد-19، على الصحة العقلية والنفسية للناس، مع اضطرارهم لقضاء المزيد من الوقت داخل المنازل، وتوقف إمكانية النشاطات الجماعية المختلفة.

ويعد الأطفال من بين الفئات الأكثر تضرراً من هذه الإجراءات، فعالم الأطفال يقوم على التفاعل واللعب مع الآخرين، سواء في المدرسة أو في الوجهات المختلفة لممارسة النشاطات، وجميعها تقريباً توقفت. بشكل خاص، تضرر الأطفال الذين يعانون أصلاً من بعض المشاكل النفسية.

مراهقة أمريكية تبلغ من العمر 15 عاماً سبق أن حاولت الانتحار، وشخصت حالتها على أنها تعاني من الفصام الذهني، وهي حالة نفسية تجعل الأشخاص المصابين بها يرون الواقع بشكل مختلف عما هو في الحقيقة، ويعانون من الهلوسات والأوهام التي تمكنت من التعامل معها بمساعدة قدمت لها في المنزل والمدرسة.



لكن هذه المراهقة لم تعد تتلقى هذه العناية بسبب الإجراءات الاحترازية التي يتطلبها الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد. فلم تعد تتلقى الدعم من المدرسة مع التحول إلى التعلم عن بعد، وانقطعت سبل التواصل المباشر مع أقرانها، وحتى والدتها لم تتمكن من الاستفادة من الرعاية المؤقتة التي كانت تتلقاها في المنزل.

وفي يوم من الأيام، فوجئت والدة المراهقة بأنها تقف على سطح المنزل وتحمل أقراص دواء مسكن بهدف الانتحار! ورغم مسارعتها للاتصال بقسم النجدة الخاص بالمرضى النفسيين، إلا أن المراهقة سارعت لابتلاع كمية كبيرة من الدواء.

في الولايات المتحدة كما في غيرها، أثرت الجهود المبذولة لاحتواء تفشي فيروس كورونا المستجد بشكل جذري في طريقة تعلم ولعب الأطفال والمراهقين ووسائل تواصلهم اجتماعياً، فصار عشرات الملايين من الطلاب يتلقون دروسهم بأسلوب التعلم عن بعد، كما أُلغيت العديد من الأنشطة التكميلية وأُقفلت الملاعب وحدائق الحيوان وغيرها من الأماكن الترفيهية، الأمر الذي لم يتأقلم معه الأطفال، وترك آثاراً واضحة عليهم.

تُظهر الأرقام الحكومية في الولايات المتحدة الأمريكية أن نسبة الأطفال ممن دخلوا أقسام الطوارئ نتيجة معاناتهم من مشاكل نفسية، ارتفعت بنسبة 24% من منتصف مارس وحتى منتصف أكتوبر، مقارنة مع الفترة نفسها من عام 2019، بينما ارتفعت النسبة بين المراهقين لتبلغ زيادة بمقدار 31%. وبعض المستشفيات تشهد أعداداً متزايدة من حالات الاكتئاب الحاد ومحاولات الانتحار بين الأطفال، ولا سيما عن طريق أخذ جرعات زائدة من الأدوية.

وأدت زيادة عدد الحالات النفسية التي صاحبت الوباء إلى تفاقم المشكلات التي ابتلي بها النظام الصحي، فارتفع عدد الأطفال غير القادرين على الحصول على سرير في وحدة الأمراض النفسية في بعض المستشفيات، بينما خفضت مستشفيات أخرى عدد الأسرة أو أغلقت وحدات الأمراض النفسية تماماً للحد من انتشار كوفيد 19.

ويخشى الخبراء من أن يؤدي هذا الواقع إلى التسبب بعجز في نظام تلبية احتياجات الصحة العقلية للأطفال، فقبل أزمة كوفيد-19 شُخصت إصابة أكثر من 8 ملايين طفل تتراوح أعمارهم بين 3 و17 عاماً بحالة صحية عقلية أو سلوكية، في حين خلص استطلاع آخر أجرته وكالة مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها عام 2019 إلى أن واحداً من كل ثلاثة طلاب في المرحلة الثانوية يعاني شعوراً دائماً بالحزن واليأس، بزيادة 40% عن عام 2009.

وبعد مراجعة أجريت على 80 دراسة، بعد انتشار كوفيد-19، تبين أن العزلة القسرية والشعور بالوحدة بين الأطفال تزيد من خطر الإصابة بالاكتئاب. المشكلة التي يعاني منها الكبار والصغار، لكن المراهقين قد يكونوا أكثر تأثراً نظراً لخصوصية هذه المرحلة العمرية من النمو الجسدي والعقلي التي تجعل من الأصدقاء والأقراء ملاذاً ومتنفساً لهم.



وفيما سجلت مستشفيات الأطفال في نيويورك وكولورادو وميسوري زيادة في عدد المرضى الذين فكروا أو حاولوا الانتحار، أشار الأطباء إلى حدوث تغيرات مريبة في سلوك الأطفال ممن يعانون من الاكتئاب الشديد أو التوحد، وقد لفت انتباههم عدد محاولات الانتحار بجرعة زائدة من الأدوية في اثنين من المراكز الصحية، فقد أكدت مسؤولة في المستشفى الوطني للأطفال في العاصمة واشنطن أن هناك زيادة في عدد حالات محاولات الانتحار التي يقوم بها الأطفال باستخدام العقاقير الطبية، ولاحظت تدهوراً في صحة الأطفال العقلية نتيجة الخلافات العائلية التي ازدادت غالباً في أعقاب الفوضى التي سببتها الجائحة، حيث يعاني أفراد العائلة بعد إغلاق المدارس والانقطاع عن الأقران والعمل، من صعوبة التواصل مع الآخرين والاجتماع بهم مما يزيد من توتر الوضع المتأزم أصلاً.

بعض المستشفيات تعمل بكمل طاقتها اليوم، بل وتستضيف الأطفال في أقسام الطوارئ بانتظار قبولهم في وحدة الأمراض النفسية. فبعد أن كان المريض ينتظر نحو 10 ساعات لقبوله قبل الجائحة، صار اليوم ينتظر أكثر من يومين للحصول على سرير.

وأفادت عدة مستشفيات بأن أعداد الوافدين من المرضى النفسيين من الأطفال خلال الصيف تكون قليلة عادة لكن الصورة انقلبت تماماً العام الماضي مع تفشي فيروس كورونا المستجد والقيود التي اتخذت للحد من انتشاره.

من جهة أخرى، أثرت الإجراءات المتخذة للحد من انتشار فيروس كوفيد 19 على طريقة تقديم الخدمات للأطفال في أقسام الأمراض النفسية في المستشفيات، فبالإضافة إلى ارتداء مقدمي الخدمات معدات واقية، أعادت بعض المستشفيات ترتيب أثاثها ووضعت إشارات على الأرض كتذكير بالحفاظ على مسافة فاصلة بمقدار 6 أقدام بين الأشخاص، وتشجع بعضها الأطفال على المواظبة على ارتداء الكمامات من خلال تقديم مكافآت لهم كقضاء وقت أطول في استخدام الكمبيوتر، بل يتناول الأطفال في بعض المستشفيات الطعام بمفردهم في غرفهم، على عكس ما كان عليه الأمر من قبل.

ورغم تأكيد الأطباء على أهمية الالتزام بمفهوم المسافة الفاصلة، ما يزال التفاعل الاجتماعي يمثل جزءاً مهماً من الحفاظ على الصحة العقلية للأطفال، الأمر الذي دفع المستشفيات إلى ابتكار طرق مختلفة للقيام بذلك بأمان، كإنشاء حجرات أصغر للعلاج الجماعي، وإتاحة الإمكانية للأطفال كي يلعبوا بألعاب يمكن تعقيمها بعد الاستعمال.

ربما كان أكثر ما يميز العلاج النفسي اعتماده على التفاعل مع الآخرين، الأمر الذي يعده بعض الأطباء بأهمية تناول الدواء. لكن الإجراءات التي فرضتها جهود الحد من انتشار كوفيد-19 غيرت هذا الأمر، بل حتى الاتصال بين الطفل والطبيب قد تأثر نتيجة ضرورة وضع الكمامات التي تعيق القدرة على قراءة وجه الشخص. ورغم أن اللقاءات عن طريق الإنترنت تؤدي دورها لكنها لا تستطيع تعويض بناء الثقة الذي يحدث من التواصل المباشر بين المريض والمعالج، فثمة ما يميز العلاقة الشخصية المباشرة وتعجز أفضل التقنيات الموجودة عن تعويضه.

بالعودة إلى المراهقة الأمريكية التي حاولت الانتحار، فقد أمكن إنقاذها من الموت رغم تعرضها لأذية دماغية نتيجة الجرعة الزائدة التي تناولتها، وهي اليوم في المنزل تعتمد على منصات افتراضية لتلقي بعض خدمات الصحة العقلية التي تحتاج إليها، وتتحلى بمعنويات جيدة وتستمتع بدراسة الهندسة وتستخدم تطبيقات التواصل الاجتماعي وتخوض المنافسات في الألعاب مع والدتها، لكنها لم تستطع الاعتياد على انقطاعها عن أصدقائها.




فيديو:
أفخم موقع للتخييم في الإمارات: لونج بيتش كامب جراوند في رأس الخيمة