إرث محمود درويش يتألق في أبوظبي

إرث محمود درويش يتألق في أبوظبي

بعض الأسماء تحفر عميقاً في ذاكرة الأجيال، خاصة تلك التي تمكنت من أن تقدم إبداعاً قل نظيره تلقفه الناطقون بالعربية في كل مكان ليصير جزءاً من تكوينهم الشخصي.

محمود درويش، الشاعر الفلسطيني الراحل، هو أحد ألمع هؤلاء الأسماء في فضاء الشعر العربي الحديث، حل ضيفاً على الندوة النقدية التي نظمتها الموسوعة الشعرية في دائرة الثقافية والسياحة في أبوظبي أمس، تحت عنوان "أنا لغتي.. أنا ما قالت الكلمات".

هذه الندوة المميزة شارك فيها الشاعر والناقد اللبناني عباس بيضون، والكاتب الجزائري وأستاذ الأدب المغاربي والأدب المقارن مراد يلّس، ليقدما إضاءات هامة على شعر مميز.

اختتمت الندوة بقراءة مسرحية لبعض اشعار درويش أدتها الممثلة والمخرجة العراقية نماء الورد، فيما ساهمت الأستاذة في جامعة السوربون/أبوظبي هناء صبحي بترجمة مداخلة مراد يلّس المكتوبة نظرا لتعذر حضوره الشخصي لأسباب طارئة.

بيضون أضاء على التغير الذي مر به شعر درويش إثر الاحتلال الإسرائيلي لبيروت في 1982، وخروج الشاعر منها، فقد رأى أنه "تحرر من الإلقاء.. تحرر من قصيدة راهنية يتوجه خطابها إلى جمهور حاضر"، وصارت قصيدته "ذات سلطة على الجمهور والجمهور يرضى بها".
وأشار بيضون إلى أن درويش قال في الشعر شعراً ما لم يقله نثراً في "كزهر اللوز أو أبعد"، وتوقف عند قصيدة "نهار الثلاثاء والجو صاف" متسائلاً إن لم تكن جزءاً من مذكرات يومية يستعيد الشاعر في ختامها "الخصوصية ويستعيد الغناء ويستعيد الحب".

أما مراد يلّس فقد تساءل كيف يتهيأ ال أثر الشعري وفقاً للمسار الإنساني والثقافي والإيديولوجي لصاحبه؟ وبالتالي كيف يتمكن الطموح الشعري من صون العلاقة الأساسية بين مشروع سياسي لا يفتأ يغذي الكتابة وينعشها؟

وأشار يلّس إلى أن المسعى المزدوج لدرويش، في مزاوجة الشعر والإيديولوجيا أو المشروع السياسي، هو ما اضطلع به من أولى أشعاره حتى أعماله الأخيرة "بصورة راحت تزداد تعقيداً وخصوبة في مسار متدرج".

واختتمت الندوة بقراءة ممسرحة لعدد من قصائد محمود درويش من مجموعاته الشعرية الأخيرة قامت بها الممثلّة العراقيّة نماء الورد. وقد عملت الفنّانة منذ سبعينيّات القرن العشرين في المسرح العراقي، وقدمت عدداً من الأعمال التلفزيونية والسينمائية والوثائقية، وحصلت على العديد من الجوائز أهمّها "أفضل ممثّلة" في العراق، وجائزة "ضدّ العنف ومن أجل مدّ الجسور بين الثقافات" النرويجية. وفي قراءتها اللّافتة لقصائد محمود درويش حرصت نماء الورد على إبراز البعد الدراميّ في صوت الشاعر الفلسطينيّ، دون أن يكون ذلك على حساب الإيقاع الشعريّ. لا بل سعت إلى إحداث توتّر داخليّ مدروس وتوازن سليم بين مختلف الوجوه المضمونيّة والشكليّة، وأبرزت تواشج الدلالات والنّبر الشعريّ وشبكات الاستعارات والصور. سمّت قراءتها "منادمة عراقيّة مع محمود درويش" وأدخلت بين بعض القصائد مقاطع من أغانٍ عراقيّة تفاعلت مع الشجن الدرويشيّ وأضفت على قراءتها نوعاً من المحاورة بين المخيالين العراقيّ والفلسطينيّ، وكذلك بين الدراما والشعر.