د. كمال ملاحي لـ’المجلة‘: توظيف أصحاب الهمم يعزز الصورة الإيجابية للشركات

الدكتور كمال ملاحي، مدير أول مركز أخلاقيات العمل في غرفة تجارة وصناعة دبي

حتى وقت قريب، كان توظيف أصحاب الهمم هو نوع من "الشفقة" التي يظهرها المسؤولون في الجهة أو الشركة التي توظفهم! ولم يكن الوعي مترسخاً بأنهم جزء من المجتمع لهم كما لغيرهم حق العمل، بل وحق تأمين التسهيلات المناسبة لأوضاعهم في مكان العمل، بالضبط كما يتم تأمين تسهيلات لغيرهم كي تكون إنتاجيتهم أفضل.

لكن الوعي بدأ يتغير، وإن ببطء، بجهود الكثيرين الذين يعملون على إبراز هذا الحق. وبين هؤلاء غرفة تجارة وصناعة دبي التي وضعت أمر تشغيل أصحاب الهمم ضمن نطاق "المسؤولية الإجتماعية"، وخاصة مركز أخلاقيات العمل الذي عقد ورشة مخصصة لتسليط الضوء على أهمية تسهيل وصول أصحاب الهمم لأماكن عملهم، وبحث الإمكانيات والآليات المناسبة لتحقيق ذلك.

ونظراً لأهمية هذا الموضوع، التقت "المجلة" مع الدكتور كمال ملاحي، مدير أول مركز أخلاقيات العمل في غرفة تجارة وصناعة دبي، فأكد أن المسؤولية الإجتماعية لم تعد ترفاً، بل هي مكون أساسي في استراتيجيات وخطط المؤسسات والشركات التي تسعى إلى الفوز بقلوب عملائها.

انطلق المركز عام 2004 ليكون أول مركز متخصص من نوعه في دول مجلس التعاون الخليجي. ومنذ ذلك الوقت كرس مكانته كمنصة أساسية تدعم القطاع الخاص في اعتماد مفهوم المسؤولية الاجتماعية كمفهوم أساسي من أخلاق العمل، وليس كنزعة لعمل الخير. وتمكن من تحقيق أثر فعّال في قطاع الأعمال تبدى في مبادرات وبرامج وآليات متنوعة تحققق التزام هذا القطاع تجاه المجتمع. فالمركز لم يكتف بالإرشادات، بل يقدم شريحة واسعة من الخدمات والبرامج التي تخدم هذا الهدف، كان من أبرزها إطلاقه مؤتمر حوار دبي، أحد أكبر المؤتمرات المتخصصة في مجال الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية.

مع ذلك، يبدو أن العديد من الأشخاص والجهات ما زالوا ينظرون إلى أصحاب الهمم على أنهم "مستوى آخر" من الناس لا يمكنهم أداء الأعمال بكفاءة. يقرّ د. ملاحي بوجود هذا التصور، ويؤكد لنا أنه ليس حكراً على الإمارات، بل هو عالمي بشكل ما، ومن أسبابه أن بعض أصحاب الهمم لا يستطيعون القيام بأعمال معينة بسبب إعاقتهم ووضعهم الصحي. لكن كثيرون من غيرهم لا يسيتطعون القيام بأعمال معينة لأسباب أخرى. إذاً هذا الأمر ليس مقبولاً كسبب للتمييز، إذ يمكن لأصحاب الهمم أن يقوموا بالكثير من الأعمال التي لا تتعارض مع إعاقتهم ووضعهم الصحي، بكفاءة عالية. كما أن في جميع الشركات اليوم تقنيات وأجهزة وصول أصحاب الهمم إلى أعمالهم المكلفين بها وتساعد في تحسين أدائهم لها.

من جهة أخرى، يهدف القطاع الخاص دائماً إلى الربح كهدف أساسي. فكيف يمكن إقناعه بأن "يصرف" المزيد من النقود لتسهيل وصول ودخول أصحاب الهمم إلى فريق المؤسسة، فيما يستطيع توفيرها بإقصائهم عن أعماله؟ إقناعهم ليس سهلاً، لكنه مجدٍ، إذ يؤكد الدكتور كمال ملاحي لـ"المجلة" أن صورة العلامة التجارية اليوم وسمعتها هي أساس في تأمينها المزيد من العملاء، أي المزيد من الربح. ومن هذا الباب يمكن إظهار مصلحة هذه الشركات في تطوير التزامها بالمسؤولية الاجتماعية عبر توظيف أصحاب الهمم. فهذا أمر يقدم للمجتمع صورة إيجابية عن أخلاقها والتزامها، كما أنه يؤمن أيضاً المزيد من التكريم والتقدير من الجهات الحكومية المعنية، والنتيجة هي تحسين مكانة الشركة التي تقوم بذلك أمام عملائها.

لهذا السبب، يتابع د. ملاحي، تولي غرفة دبي اهتماماً واضحاً بتنظيم الندوات والفعاليات التوعوية الهادفة إلى تسليلط الضوء على أهمية دمج أصحاب الهمم في المجتمع، وما لذلك من أثر إيجابي على قطاع الأعمال، وبالطبع إلى جانب الأثر الأساسي الإيجابي على المجتمع.

"أخلاقيات العمل" مصطلح ليس قديماً في عالم الأعمال. والكثيرون لا يعون أهميته حتى اليوم. لذلك نجد قلة من الهيئات الحكومية أوجدت مكاناً خاصاً له في هيكليتها. مع ذلك أولته غرفة تجارة وصناعة دبي الاهتمام منذ 2004. يشرح د. كمال ملاحي الأمر بكلمات سهلة ومقنعة: نحن نؤمن أن الممارسات القائمة على أخلاقيات العمل هي جزء أساسي من نجاح أي مؤسسة في تحقيق أهدافها. ونعمل على الترويج لاعتماد الممارسات الإيجابية المبنية عليها في بيئة الأعمال، "فهذه الممارسات وثقافة الأعمال المسؤولة تؤدي إلى استدامة الشركات واستمراريتها وتحسين آدائها وإنتاجيتها، وبالتالي فإن هذه الممارسات المسؤولة التي يدعو إليها مركز أخلاقيات الأعمال تؤدي إلى تعزيز تنافسية هذه الشركات، مما يساهم بتعزيز جاذبية دبي وبيئة أعمالها للاستثمارات الخارجية بوصفها بيئة أعمال مسؤولة ومستدامة".

والنتائج ملموسة: سمعة دبي الاقتصادية تعززت جراء اعتماد أفضل ممارسات الأعمال المسؤولة، "وباتت دبي مثالاً يحتذى في تطبيق هذه الممارسات.. التي تلعب دوراً كبيراً في توطيد العلامة التجارية للشركات، وتساهم في تعزيز دخلها المادي، وتنظيم المخاطر وتحسين سمعة الشركة بين الأطراف المعنية بالإضافة إلى تعزيز الكفاءة في عمليات واداء المؤسسات".

لكن، لا بد من التساؤل: هل تحقق الهدف فعلاً؟ هل التزمت المؤسسات العاملة في الإمارات تجاه مسؤوليتها الاجتماعية؟
الدكتور كمال ملاحي يؤكد أن النتائج إيجابية. بل إن جهود المركز لم يعد يتطلب جهوداً في إقناع الشركات بجدوى هذه الثقافة، فهي صارت مقتنعة وتمارسها. ونظرة سريعة إلى واقع المبادرات التي تطلقها الشركات بين الحين والآخر، في مجالات مختلفة، و تعبر عن التزامها بالمسؤولية الاجتماعية، يؤكد هذه النتيجة.
وذلك لا يعني أن دور الغرفة والمركز قد انتهى، فجهودهما تنصب اليوم على "تطبيق أفضل الممارسات وتطويرها" في هذا المجال. ذلك أن المسؤولية الاجتماعية ليست "قالباً" نطبقه وينتهي الأمر. بل هي آليات تتطور كل يوم مع تطور العمل وتطور احتياجات المجتمع.

من الواضح إذاً أن غرفة تجارة وصناعة دبي لا تألو جهداً لتكريس ثقافة جديدة صحيحة وإيجابية في قطاع الأعمال. ومبادراتها كثيرة في هذا المجال، من أبرزها مبادرة "Engage دبي" التي أطلقت عام 2008 بالتعاون مع مؤسسة"بزنس إن ذا كوميونيتي" في المملكة المتحدة، لتشجيع وتحفيز تطوع الموظفين لصالح العمل الاجتماعي.

وكذلك إطلاقها شبكة غرفة دبي للاستدامة التي تسعى لأفضل تبادل للخبرات في مجال المسؤلية الاجتماعية للمؤسسات، وتساعد على إيجاد الحلول للتحديات التي يواجهها القطاع الخاص في هذا المجال.

وصار تقييم الغرفة لقطاع الأعمال في هذا المجال أمراً أساسياً. فمنذ 2010 أطلقت علامة غرفة دبي للمسؤلية الاجتماعية للمؤسسات. علامة تعني تقدير وتكريم الذين يثبتون تقدماً مميزاً في هذا المجال. ومنحت هذه العلامة لنحو 344 علامة تجارية حتى الآن.

ربما يمكننا القول الآن أن "المسؤولية الاجتماعية" لأي شركة تعني أنها لا تهتم بالربح فقط، بل هي أيضاً شريك أساسي في دعم المجتمع الذي تعمل فيه، وتطويره وتلبية احتياجاته.


اقرأي أيضاً: إيمان راشد سيف لـ’المجلة‘: سمنة الأطفال قضية وطنية